عبد الشافى محمد عبد اللطيف
69
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
من أحبار اليهود ، وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم » « 1 » . ولكن رغم ذلك فإن ما توحي به لنا المصادر - التي بين أيدينا - أن موقف أهل يثرب من الدعوة في البداية ، وقبل الاتصالات التي تمت بين بعضهم وبين الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، تلك الاتصالات التي انتهت ببيعتي العقبة ، اللتين مهدتا للهجرة ، كان مشابها لموقف سائر العرب ، وهو موقف الترقب والانتظار ، واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها . وكان بين أهل يثرب وأهل مكة صلات طيبة ومصاهرات . « فقد أصهر هاشم بن عبد مناف إلى بني النجار ، وظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة بأخواله هؤلاء ، كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات مع زعماء يثرب ، فقد كان أمية بن خلف الجمحي صديقا لسعد ابن معاذ الأشهلي زعيم الأوس ، كما كان العاص بن وائل السهمي وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم ، على صلات طيبة ووثيقة بأهل يثرب » « 2 » . لذلك كان أهل يثرب حريصين على استمرار تلك الصلات الطيبة مع مكة ، ولم يشاؤوا أن يقحموا أنفسهم في أمر كانوا يعتبرونه خاصّا بها ، وكان يهمهم أن تحل مكة مشكلاتها مع المحافظة على وحدتها وصلاح ذات بينها ؛ لذلك لما ترامت إليهم أخبار تصاعد موقف أهل مكة في عداوتهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وإيذائهم له ، أظهروا قلقهم وخوفهم من حدوث حرب أهلية بين أهل مكة بسبب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ودفع هذا القلق رجلا من أهل يثرب ، هو أبو قيس بن الأسلت ، إلى أن يحذر قريشا من مغبة التمادي في عداوتها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وينصحها بعدم اللجوء إلى الحرب . يقول ابن إسحاق : فلما وقع ذكره - أي : رسول اللّه - بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف ، قال أبو قيس بن الأسلت - وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا - قصيدة يعظم فيها الحرمة ، وينهى قريشا فيها عن الحرب ، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض ، ويذكر فضلهم وأحلامهم ، ويأمرهم بالكف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويذكرهم بلاء اللّه عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده ، فقال : أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النّأي محزون بذلك ناصب أعيذكم باللّه من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب
--> ( 1 ) ابن هشام - المصدر نفسه ( 1 / 299 ، 300 ) . ( 2 ) أحمد إبراهيم الشريف - المرجع نفسه ( ص 148 ) .